mywf.blogspot.com

الجمعة، 13 أبريل، 2012

رسالة الشيخ يوسف الأحمد إلى والدته.. بخط يده ومن داخل زنزانته

رسالة الشيخ يوسف الأحمد إلى والدته..  بخط يده ومن داخل زنزانته





بسم الله الرحمن الرحيم



أمي الغالية أمدها الله بالصحة، وطول العمر على حسن العمل.



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



أبشرك أنا بخير ونعمة وفضل من الله، وسعادة لا يعلم بها إلا الله تعالى، وكنت أسمع أخبار العلماء وما حصل لهم من البلاء؛ فهذا ابن تيمية لما أُدخل السجن للمرة السابعة وكان عمره (65) عاماً قال له أحد الصالحين مذكراً له:” هذا مقام الصابرين” فأجابه ابن تيمية :” بل هو مقام الشاكرين”؛ لما يجده من لذة الإيمان ونعمة السعادة، وبقي في سجنه حتى مات رحمه الله بعد سنتين وثلاثة أشهر من بداية السجن، فكان له نصراً ورفعة في الدنيا والآخرة. وقد مَنَّ الله تعالى عليَّ بما منَّ عليهم، وأتحدث بنعمة الله تعالى كما تحدثوا فإني ولله الحمد والمنَّة والنعمة وحده في خير وسعادة وبصيرة ونور لم أجد مثله من قبل، والحديث عن نعمة الله تعالى على عبده هو من شكر النعمة الذي أمر الله تعالى به “وأما بنعمة ربك فحدث” وما زادني الله بالسجن إلا همة ورغبة في تبليغ الدين ودعوة التوحيد، ونشر العلم النافع، ونفع المسلمين بالعمل الاحتسابي والإغاثي وغيرها.



أما المرض الذي أصابك فهو يعني أن الله تعالى قد اختار لكِ الخير ليكون تطهيراً وأجراً عند الله تعالى كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم :”من يرد الله به خيراً يصب منه” أخرجه البخاري. وأسأل الله تعالى أن يعافيك ويشفيك منه “وإذا مرضت فهو يشفين” فالشفاء من عند الله وحده، وبذل الأسباب بالرقية والعلاج الطبي مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به.



وأما منعهم لي من زيارتك فهي المصيبة التي تدخل الحزن، ولا أقول إلا ما أمر الله تعالى به: “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)” (البقرة)، ويبقى لي من البر أفضله وهو الدعاء.



ولئن مُنعنا من اللقاء في الدنيا فاجتماعنا في الآخرة هو الأهم، وهو من أعظم النعيم في الآخرة، وتبدأ السعادة والسرور باجتماع المؤمن بأهله في الآخرة إذا أوتي كتابه بيمينه قال الله تعالى:” فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9)” (الانشقاق)، فإذا دخلوا الجنة جمعهم الله تعالى في الجنة دون أن ينقص الله أجر السابقين منهم قال الله تعالى :” وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)” (الطور) (وما ألتناهم أي وما أنقصناهم) .



ويمن الله تعالى على عباده المؤمنين باجتماعهم في الجنة مع الصالحين من أهاليهم ويذكرهم بأنواعهم حتى لا يتوهم اجتماع بعضهم دون بعض :”جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)” (الرعد). وقد أخبرنا الله تعالى بدعاء الملائكة المقربين وحملة العرش :”الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ..” (غافر)



وحين ينال المؤمنون هذا الفضل العظيم ويطلعون على حال الظالمين يدركون أن أعظم الخسران أن يخسر الإنسان نفسه وأهله يوم القيامة “وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..” (الشورى).



وأول فضل الله تعالى ورحمته بعباده في جمع الميت بأهله يكون بعد خروج الروح فيفرح أقاربه المؤمنون بمقدمه، بل هم أشد فرحاً بروح قريبهم المؤمن من فرح أهل الدنيا بمجيء الغائب كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سنن النسائي فيسألونها عن أخبار الناس في الدنيا وعن فلان وفلان وفلان فيجيبهم: ألم يأتكم فلان ؟ فيعلمون حينها أنه لم يكن مع أهل الإيمان، ويقولون: ذهب إلى أمه الهاوية.



توفيت أمي نورة ثم خالي عبد الله ثم أبوي عثمان ثم خالي عبد العزيز وغيرهم من أقاربنا رحمهم الله جميعاً، وقد رؤيت فيهم المبشرات ولله الحمد وهذا ما نرجوه، وأنهم ينتظرون بفرح القادم إليهم ولا نعلم أينا يسبق، فأهل الدنيا من أقارب الميت يبكون عليه، وأهل الآخرة من أقاربة يفرحون بمجيئه فسبحان الله الكريم الرحمن.



وأهم فرق في انتقال المؤمن من الحياة الدنيوية إلى الحياة البرزخية هو انقطاع العمل، ولذلك كانت وصية الله تعالى لنا قبل مجيء الموت بعمل سهل يسير لكنه عند الله عظيم وهو الإنفاق قال الله تعالى:”وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)” (المنافقون).



ولنتأمل قوله (مما رزقناكم) ومثاله: من جاءه شخص وقال له سأعطيك مليون ريـــال بشرط أن تنفق نصفه، والذي تنفقه سأعطيك مثله، فلن يرفض إلا المجنون، أما العاقل فسيقبل، وبدل أن ينفق النصف سينفق التسعة أعشاره لأنه بدون أن ينفق لن يأتيه شيء، وإذا أنفق شيئاً أتاه مثله فكيف إذا كان المثل أضعافاً مضاعفة إلى سبعمئة ضعف وأكثر.



كنتِ دائماً جزاك الله خيراً عندما يتصدق بعضنا بطايح البيت تذكرين بقوله تعالى:”لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” البقرة.



وقد سمعتها منك عشرات المرات فالاختبار هو أن ينفق العبد من مالٍ تعلقت به نفسه “الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء”.



جزاكِ الله خيراً على ما أرسلتيه مع حمد، وبدأت أُقسِّم منه على جيراني المساجين وبعض العسكر والحراس وعمال النظافة والممرضين، وأحد الممرضين سيسلم بإذن الله بسبب تأليف قلبه بهذه النوعية الفاخرة من الحلويات، وبعض العسكر يتردد في التوزيع فإذا قلت هذا من الوالدة استسلم، ولا يسمعون مني ولله الحمد إلا الدعاء لهم والكلمة الطيبة، بل بعضهم يأتي ويستفتي في أمور عبادته.



فرجُ الله قريب والله أرحم بنا من أنفسنا.



حفظك الله بحفظه، وأمدَّ في عمرك على طاعته، وأدخلكِ في عباده الصالحين، وجعلك من ورثة جنة النعيم بغير حسابٍ ولا عقاب.



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



ابنك



يوسف العبد الله الأحمد



الأحد قبيل أذان المغرب 13/3/1433هـ





 
::

اللهم فك أسر الشيخ يوسف الأحمد وعجل فرجه ويسر أمره يا أرحم الراحمين .. وجميع اسرى المسلمين

آمين .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة